خليل الصفدي

237

نكت الهميان في نكت العميان

أحد الأئمة الأعلام ، ولد بحماة ثاني شوال سنة أربع وستمائة ، وعمر دهرا طويلا ، وتوفى سنة سبع وتسعين وستمائة ، وبرع في العلوم الشرعية والعقلية ، والأخبار ، وأيام الناس ، وصنف ، ودرس ، وأفتى ، واشتغل ، وبعد صيته ، واشتهر اسمه ، وكان من أذكياء العالم ، ولى القضاء مدة طويلة ، وحدث عن الحافظ زكى الدين البرزالى بدمشق وبحماة ، وتخرج به جماعة ، وما زال حريصا على الأشغال ، وغلب عليه الفكر إلى أن صار يذهل عن أحوال نفسه وعمن يجالسه ، ولما مات رحمه اللّه تعالى يوم الجمعة رابع عشر شوال من السنة المذكورة ، دفن بتربته بعقبة يبرين عن أربع وتسعين سنة . وصنف في الهيئة ، وله تاريخ ، واختصر الأغانى ، وملكت باختصاره نسخة عظيمة إلى الغاية في ثلاث مجلدات ، وخطه عليها بعد ما أضر ، وهي كتابة من قد عمى ، رحمه اللّه ، وله مختصر « الأربعين » ، و « شرح الموجز » للأفضل الخونجى ، و « شرح الجمل » له ، و « هداية الألباب » في المنطق ، و « شرح قصيدة ابن الحاجب » في العروض والقوافي ، و « البارع الصالحي » ، و « مختصر الأدوية » لابن البيطار . وقيل : إنه جهزه بعض ملوك مصر ، أظنه الصالح ، إلى الأنبرور ملك الفرنج في الرسيلة ، فتلقاه وعظمه ، وأحضر له الأرغل يوما ، وضرب به قدامه ، وأراد بذلك ليستخفه ، فيقال : إنه ما تحرك ولا اهتز وتثبت ، وما أظهر لهم خفة لذلك ولا طربا ، إلا أنه لما قام وجدوا تحته نقط دم ، يقال : إنه بقي يحك كعبيه في الأرض إلى أن أدماها ، فعظم أمره عند الأنبرور ، ثم قال له : يا قاضى ، أنا ما عندي ما أسألك عنه ، لا فقه ولا عربية ، وسأله ثلاثين سؤالا من علم المناظر ، فبات تلك الليلة وصبحه بالجواب عنها ، فصلب الأنبرور على وجهه ، وقال : هكذا يكون قسيس المسلمين ؛ لأن القاضي لم يكن معه كتب في تلك السفرة ، وإنما أجابه عن ظهر قلب . وله أيضا كتاب « مفرج الكروب في دولة بنى أيوب » ، وغير ذلك . وقيل : إنه كان يشغل في حلقته في ثلاثين علما . وحضر حلقته نجم الدين ديبران الكاتبي المنطقي ، وأورد عليه أشكالا في المنطق . وحكى لي عنه الإمام البارع شمس الدين بن الأكفانى غرائب عن حفظه وذكائه . وحكى لي الحكيم السديد الدمياطي اليهودي قال : جاء ليلة إلىّ عند الشيخ علاء الدين بن النفيس في بعض سفراته إلى القاهرة ، ونام عنده تلك الليلة ، فصلى العشاء الآخرة ، وانفتح بينهما باب البحث ، فلم يزالا إلى أن طلع الضوء ، والشيخ علاء الدين يبحث معه من غير انزعاج ، والقاضي جمال الدين بن واصل يحتد